الثلاثاء، 28 يونيو 2016

الكِتابةُ الذَّاتُ

مما لا يختلف عليه اثنان الحقيقة ذات الشكل الأوحد المتعدد في أخيلة البعض. ومن هذا أنكَ ما إن تبدأ الكتابة يحدق بك خطر التوقف عنها. وعلى شاكلتها، أن أحدَ الصباحات الصفراء لم يغفل عن مشهد الامتدادات الذهبية التي تأخذ طريقها إلى كل ساكن من نافذة الغرفة، تلك هي بقايا ما أخرجتهُ الشمس، ولا تتوقف عن التمدد حتى تزاحم أذني طيور الصباح فتَجُنُّ الحياة. وما أسنَى أن يَهِبَ الإنسان على بكرة الصباح عقلهُ لكونٍ أصبح يُسبّحُ فيسبحُ الأول أيضًا ليأخذ من الثاني وضاحتهُ. وفي الحقيقةِ، نحنُ من نعطي الصباحَ وضاحته إن شِئنا.

الحَقُّ أن الكتابة هي ما تفعله حين تَشعر بمتحركٍ غير مرئي داخلكَ يحثّكَ على التحرك ومحاولة جعله ساكنًا على ورقٍ أو مستندٍ إلكترونيٍّ بطقطقةٍ حرَّكها عقلٌ ساكن متحرك بشكل غير مرئي أيضًا ليصبحَ في آخر المطافِ ساكنًا خارجَ نفسكَ بشكل غير متطابق كُليًّا مُتحركًا داخل نفسٍ أخرى. إن هذا شبيهٌ بما تفعلهُ الذات كتابةً لكن يعوزها القلم أو الجهاز الذي يحوّل المكنون مكشوفًا.

تكتبُ الذات في حالاتٍ كثيرة يفهمها الكاتب وقت امتناعه عن الجلوس أمام جهازهِ أو على مكتبهِ أمامهُ قلمه وورقه ونفسه إن أراد، ولا يفهمها على نحو واضحٍ في أي وقتٍ غير ذلك. تكتبُ الذات في هذه الحالات ما لا يستطيع كتابته كاتبها بالكتابة لُغةً مقروءة. تكتبُ الذاتُ في الحقيقة ولا تتحدث. الحديث كلامٌ يُقال والمكتوبُ كلامٌ يتحدَّث. وما أفعلهُ الآن أنني أتحدَّثُ بالكتابةِ وهذا ما أفعلهُ أنا لا ما تفعلهُ ذاتِي.

الثامن والعشرون من حزيران 2016
صُوْر

الأحد، 19 يونيو 2016

مَخَا: أول نصٍّ أدبيٍّ

ليس سهلًا أن تلفظ الذاكرة ما اعتلقها عنوة منذ زمن. عنوة؟ أعني برغبة مني أو دون رغبة. لم يُكتب لي أن أعيش مدةً أطول في حوش بيتنا القديم، أحد بيوت حارتنا الذي بُني على طراز قديم، لكن حظيت بالفترة الأطول بين إخوتي على الأكثر. الحارة القديمة التي ما زلت أصرح بانتمائي الدائم لها إن سألني سائلٌ، "من أيِّ بقعة أنتِ؟". نولعُ بالشيء أكثر ما إن يصبح قديمًا. مَخَا، أحب أن أنطق اسمها مُطْلِقَة فَايَ لثانية بعد فتح خائها. حارة البيوت الطينية القديمة والسكك الضيقة التي تمتد على جانبيها جدران نقعتها ملوحة أرضها ليظهر ما خفي من الحجر والطين وأيبستها شدة حرارة الشمس التي تشبه إلى حد كبير حرارة أهلها. جيرانُها أهلٌ قلوبهم أقرب إلى بعض من مسافة بيوتهم المتراصّة إلا قليلا. أشتاق لسُكْنتها في الحارة الجديدة، ولم أستطع أن أجردها من صفة الجِدَّة رغم مضي ما يزيد على 7 سنوات منذ أن أقمنا هنا وسط بيوتها. لا ينفصلُ ذكر مخا عن ذكر خور البطح، على وجه الخصوص عصرُهُ الأزرق المائل إلى الأبيض الذي قلما يخلو من أصوات نوارس الخور. أكتبُ هذا وأتذكر لحظاتٍ انقضت حين كنت أرافق والدي وأجلس إلى جانبه مع رفاقه أمام الخور أحملقُ في البعيدِ لا أعلم أين أنظر تمامًا. أذكر كيف كان يمتعني النظر إلى البحر الذي كلما أبعدت النظر في امتداده أوغل في زُرقته وانتهى. أدمنت النظر في عبّارات* الخور وقواربه وناسه ونوارسه، فغدَا بعد ذلك ذاكرةً لا بُدّ أن تُسجَّل.

حثثتُ الخطى متجهة إلى جهازي لأكتب بعد 3 سنوات عن مخا وخورها. كتبت فيها بقلب ذاكرٍ لميثاق الحُب الأقدم ما امّحى. وفي منتصفِ الكتابة تلك، أغمضت عيني أستذكرُ أيامها وحُلْوها فأبتسم وأكمل الكتابة لا أود أن أنتهي. من يحب شيئًا لذاته لا يرضى أن يرى له ندًا. وهكذا أحببت مَخَا أيضًا. وأسائلُ نفسي هل يستطيع أحد أن يغفل عن حب أرضهِ؟ الانتماء مسألة مقضية كما أحسب، هناك رابطة أخرى لا أستطيع توصيفها في الواقع تصفُ اعتلاقي مَخَا. البحرُ بحرٌ واحدٌ في نظر كثيرٍ من البشر، لكن رأيتُ بحر مدينتي الذي يطلُّ على يابسهَا، بادِئًا من هذا الخور مختلفًا اختلافًا يجعلهُ جميلًا في ناظريّ بل الأجمل. السكك والشوارع في كل مكان تتخذُ أشكالا متقاربة، هكذا يقول العامّة، وأجدُ قولهم خيبةً حين أتحدثُ عن حارتي القديمة، مدينتي الأجمل العائمة السمراء.
والآن بعد سنواتٍ من كتابة أول نصٍّ أدبيٍّ، أكتبُ ولا ينقطع عن بالي أثناء لحظات كتابتي هذا النَّص اسم ناصر البلال المخينِّي الذي أحبَّ صُوْرَ وشغفتهُ حُبًّا. لا أغار في حُب صُوْر غيرةً كغيرتي من حُبِّ الفينيقيّ الأخير رحمهُ الله. أذكرُ بركة هذا الحبِّ وفضله عن كثيرٍ من الحُب؛ فقد جعلني أتكلم بحديثٍ لم أكن أعلمه إلا نَزْرًا، وعلَّمني أن أكتبَ في الأوراق، وأدخلني صومعة الآداب.

التاسع عشر من حزيران 2016
صُوْر

السبت، 18 يونيو 2016

ليلُ القراءَةِ

انتهى هذا الليل حالُه حال أي ليل آخر من بقية الأيَّام قراءةً. يدخلُ عليَّ الليل بقدمين ناعمتين خفيفٌ طرقهما يكاد لا يُسمَع، فَيأخذُ طريقهُ آمنًا سالكًا رفوف مكتبتي وأسفلَ الطاولة ليرسم تحتها ظلًّا ويمين ستارةِ النافذةِ وأعلى رأسي! أحبُّ الليلَ شديد السواد، الذي يأبى إلا أن يكون الأحلك على وجهِ البسيطة ليلًا، يأخذُ من كل سوادٍ في الأرضِ سوادًا كيلا يقارعه أحدٌ في الحلكةِ، وشأنُ الليلِ هذا شأنُ أيِّ طِيني يمشي على طينهِ ويتسنَّمُ فيه وعليه وبهِ.

أعودُ لغرفتي وليلِها. كل شيءٍ هاجعٌ إلا من الليل، وطقطقةِ مفاتيح الجهاز وأنا. على يميني الشاي الذي يبدو أنه برد ولم يعد يحمل من صفة الشاي طعمًا! لا تعرفُ عيناي الثبات، أُقلِّبُ بصري يمنةً ويُسرةً فيقع على نظارتي الطبية ذات نصف العقد وأنتوي أن أغيرها بأخرى ولا أود هجرتها هيَ أيضًا. وتستلقي على نهاية حواف الطاولة كتبٌ يستنفرُ بعضها الآخر، كتابٌ في الأدب الإنجليزي وآخر من الأدب العماني القديم وبينهما كتابٌ في الفقه كُتِبَ بخط اليد، في الواقع لا تختلفُ الكتب عن حال كثيرٍ من البَشر إلى حدٍّ ما، فحُبُّها قد يمتاح من صفةٍ بشرية كما قد يمتاح حُبُّ الآخر من أصلٍ كُتُبِيٍّ! ولا نعلم مكمن الصواب لكثرة الاحتمالات التي تحيط بنَا.

لا يزال كتاب البؤساء يستريح على طاولتي منذ أن أخذته أختي الصغيرة لتقرأه بعد استجداءٍ خفيف للقراءة قبل أسبوعين. ولا تزال عبارتها بعد أن أخذت في الرواية نصفها ترسم نصف ابتسامة على وجهي وأتذكر مَقولها: "عهود تراني أني كوزيت، اعتبريني شخصية كوزيت".

الكثير من الصناديق وردية الجلدِ تركن بعشوائية فوق طاولتي ولا أعرف إليها سبيلًا إلا بعد أشهرٍ، رغم رغبتي في فتحها أحيانًا وقت المطالعة أو الكتابة. الكتابة والقراءة تسلبانكَ الاهتمام لأي مُزهرٍ أو كائنٍ آخر يحول بينك وبينه مسافة النظر. هذا الذي تفعله لذة الانغماس في الشيء باعثٌ لِحُب الشيء. وهذا الليل رغم سواده أضاء كي أنتبه لما أهملتُ على طاولتي. الدفتر الأزرق المنسي وكتاب ينحشر وسطه قلمٌ تحمل انكفاء الأوراق عليه لأشهرٍ وكأسُ ماء فارغ.

أقفُ لأعيدَ كل شيء إلى حيث ينبغي وأرجع الكتب إلى أخواتها وأنظرُ بأسى مرةً أخرى لكوب الشاي البارد جدًا فأزمٌّ شفتي وأرفع يدي على وجهي وأنهي آخر كلمة في الملف على مَضضٍ ليبدأ ليلُ القراءة.

الثامن عشر من حزيران 2016
صُوْر

الثلاثاء، 14 يونيو 2016

لُغَةٌ

في كل مرَّة أهمُّ لشيءٍ يشبه فعل الكتابة -لا الكتابة ذاتها- أشعرُ بخذلان طفيف للغةِ التي ما تنفكُّ حتى تجعل مني إنسانًا لغويًا يداري ما يمور داخل اللغة وخارجها ويتوخى أن يتخذ مسارًا لغويا غير ما يمشي عليه العامة في عُرف اللغة إيمانًا منه بأن اللغة تابوهٌ لا ينبغي التفريط فيهِ والإفراط. وأرى حظوة اللغة أجمل قدرٍ يمكن أن يحظى بهِ أي مغمور في اللغة مأخوذ بسطوتها. وأيضًا ما يبعث إلى الخذلان الخفيف هذا الفجوة الزمنية التي تحول دون كتابة آنية والتي ما إن زادت زادت معها درجة الخذلان..

اللغة ليست -كما يروج له البعض- أداة أو وسيلة بل الغاية في الغاية التي تُرتَجى. وبدون الغايَة لا تكتمل الوسيلة التي تَمْثُل في الكتابة. على خلاف ذلك، ما زلت أعد الكتابة غاية تفضي إلى غايةٍ أخرى.

لا أرمي -من سابق الحديث- إلى إلباس نظرتي إزاء اللغة بمعطف يكسوه الأسود وتتباعد فيه البقع البيضاء إنما يحلو لي أن أبرز ما يشبه الغيرة اللغوية وأبدو الكائن "المتفرد المتنزه [بلغته]"!
ومن نافل الحديث الذي أتنزه به الآن، أحبُّ أن أشيرَ إلى من يتنزه بلغته ويتقنها بل ولسانه فصيحٌ بها وأُكْبِر أمثال هؤلاء بين قومهم؛ فهم يحملون لواء قلَّ من استطاع إليه سبيلا!

في موقفٍ كهذا، لن يغدو قولي في عدد المرات التي محوت فيها كلامًا عرفت فيه المعنى وخُذلت بالمبنى -حين تسنمَ بي فقه اللغة خاصتي- أمرًا مهما وإنما ترفًا مقيتًا.

ومن الظريف أن تلازمني التشجنات اللغوية التي أتوخى حتى هذا السطر  حتى أنتهي لُغَةً. أتذكر بهذا مسخ كافكا الذي انبرى من حشرةٍ داعبتها مخيلة كاتبٍ فاستحال مسخًا، ومثلما أجادَ كافكا التنزه بلغة الكتابة لصوغ غايتهِ، أنبري أنا من خضمّ اللغة، بسيميائيتها وتشنجانتها في مرحلة صيرورة لغوية تصيّرني لغة.

هذا ما يحصل تمامًا، اللغة تستدعي أن تفكّر على نحو غير اعتيادي أن تتمرد أن لا ترى في اللغة إلَّاك. أعي أن ما سبق قد يبدو مبهمًا للبعض، فاللغة تجرّكَ لأن تهذي دون قدرة على تركيز أوحد ما إن انفلتّ من رباط الفكرة. وفي هذهِ الحالة تتجلى أشد أشكال العزلة وضوحًا؛ اللغة والكتابة أرض وسماء لكون الكاتب المغمور.
أعود لأقول ما كان عليَّ قوله مبكرًا، جمال اللغة جمالٌ لمن أجادها، والجمال الذي أعنيه في الواقع الدَّعة ما إن رافقتك أمنتَ داخلكَ شريطة أن تتعاطى مع اللغة بنفسك بعيدًا عن المعطيات المعدة والقوالب الجاهزة التي لن تنتهي حتى تجعل للغة شكلًا فردًا، وفي قول مقارب، حتى تكتب (موت اللغة).


الرابع عشر من حزيران 2016
صُوْر

السبت، 16 أبريل 2016

كتابةٌ مُؤجَّلةٌ

أَهمُّ بكتابة أول سطر اللحظة كَيوم أُغمَرُ بدهشةِ أن أقرأ ولو سطرًا! وتأجيلُ فعل الكتابة هذا لا يختلفُ في الواقع عن تأجيل غيرهِ من الأعمال؛ فَقد أجَّلت مُذاكرة جزء من الاختبار لفعلِ فعلٍ مُؤجَّل هو هذا الفعلُ حتمًا، الكتابة المؤجَّلة.
أعيدُ ترتيبَ الخطِّ الزمنيِّ لأسابيعٍ مضَت انتوأتُ في بعضِ أيامها أن أكتبَ لوهلةٍ عن يومٍ واحدٍ قلَّما يخلو من دافعٍ مُضمرٍ في حادثَة أو واردةٍ لما يربو على أرضِ الجامعَة.
الآدابُ ذات الصباحات الفارهَة تجيدُ رسمَ التساؤلات والتأملات أحيانًا. إنَّ هذه الكُلِّيةَ جزءٌ لا يمكن أن ينفصلَ عن مقررات دراستنا؛ ندرسُ الآداب والأدبَ في ذات الوقتِ. وفي كل الحالات، هناك جانبٌ مضيءٌ أُبصرُ فيه جمال ممرات الآدابِ صباحًا حين ترتاحُ عليها عطايا الشمسِ فتستحيلُ تِبْرًا.
حياتُنا في الجامعةِ ممراتٌ تنتهي إلى ممراتٍ ونحنُ فوقها ممراتٌ نكادُ لا ننتهِي. وكل ما في الأمرِ، أننا في مسارٍ غير آيل إلى انتهاء وهذا المصير في حد ذاتهِ حسنة فأنتَ تكدحُ إلى ربكِ كدحًا فمُلاقيه.
وليس التأجيل في كل الأحيان علامة تهاونٍ؛ فلهُ أَمَاراتٌ غير ما يتِّفق عليه العوام. أزاولُ التأجيلَ مع الشاي أيضًا، فحين أصنعُ الشايَ ثم أسكبهُ على كوبي الأسود أنتظرُ حوالي 12 دقيقةً أو أكثر وما يحدثُ أننِي أؤجِّلُ شُربَهُ لأعيدَ تسخينهُ مرةً ثانية وثالثة ورابعة حتَّى يستحيلُ مَتَّةً! وهنا غرضٌ آخر غير مقصود للتأجيل.
ولا ينقطعُ التأجيل وقتما أكتب لأنَّ التوقف لإكمال سطرٍ أو جملةٍ تأجيلٌ قصيرٌ جدًا أنَّى تبزغ الفكرة فيتمُّ الحديث. فلا أرى التأجيلَ أمرًا معتلقًا التقصيرَ كما يشيعُ إنما الأمر مناطٌ بسياق الفِعل والموقف كما لا أرى ممراتِ الآداب على أنها ذات جمال أوحد؛ فكلها تتباينُ وهي أندادُ بَعضٍ.
ومع أنَّ التأجيل في ظاهرهِ يدعو لامتعاضِ البعضِ فإنه من جانبٍ آخر يماطلُ لهفتي حين أقرأ دراسةً حول الترجمة والنقد وتستهلُ إحدى مقالاتها خبر فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب عام 1988 م فَتتملكني حينئذٍ النهمةَ لأن أكتبَ مقالةً أعنونها بِالتراث وأدب الكاتب ولا أفعل لأؤجِّلَ كتابتها لحينٍ آخَر.

السادس عشر من نيسان 2016
الخُوض

الخميس، 28 يناير 2016

نَقْد

مَا أدخلني فوهةَ النقد ولم يخرجنِي منها سُؤالٌ. سؤالٌ جرَّني لمأزقٍ أحببتُ التخبَّطَ في سبيل الخلاص منه. نحنُ لا ننشد الخلاص لإنهَـاء تأزمٍ ما، لكن الخلاص الذي نتحرَّاهُ يُربّت على ذواتنا العَطشى كِي تُروى بُرَهًا مخافةَ أن تموت ضحيَّة النَهمة.
لم يعجبني مكاني في الفصل وقتئذٍ، كان بجانب النافذة، الحسنة الوحيدة التي خفَّفَت طيف الضجر الذي كان يتسللني وقت الحصّة. كنتُ في بَدأة المرحلة الثانوية (الصف العاشر)، كانت إحدى المراحل الدراسيَّة المحببة إلي. لم أكن أدري ما أريد، ما كنتُ أعيه تمامًا هو رغبتي في إتمام دراستي والمواظبة على تحضير دروسي. وأنجزتُ الأمرَ برضًى مع رؤية نسبتي نهاية العام 98%.
في إحدى حصص اللغة العربية، أعطتنا المعلمة مقدمة بسيطة عن تاريخ النقد الأدبي ثم وزّعت نصًّا على المجموعات بافتراضهِ عملًا جماعيًا. لم تكترث بقية المجموعة للنَّص والتكليف، فَأخذتُ النص وقرأتهُ ثم استأذنتُ زميلاتي كي أقومُ بالفرض حين أعود للمنزل. لم يعترضن، بل أردفت إحداهن: "أحسَن، مَـلْنـى بارض في شغل النقد والتحليل!".
ظهيرة ذلك اليوم، كنتُ أحتسي الشاي الأحمَر كعادتي وأقرأ النَّص بتمعن أكثَر ثم شَرَعت أكتبُ تعقيبًا عليهِ، كان علينا أن نقرأ النص ثم ننقدهُ. أنهيتُ تعليقِي على النَّص في حدود صَفحة، وتستهلُّ الورقَة كلمتان "قراءة نقدية: ... "! وحينَ أتذكَّر تلكَ الورقة، أبتسمُ لذلكَ الصِبا الأدبي. يبدأُ الشغف بالشيء كبيرًا ليمتاح ديمومتهُ من صفته الأولى.
بعدَ إنهائي كتابة سطورٍ حول نص التكليف، سألتُ والدتي سؤالًا أدهشها قليلًا، لكنها ابتَسمَت فيما بعد. لا يهمّ الآن ذلك السؤال بقدر أهمية الأثر الذي تركتهُ فيني إجابتهُ. وكانت تلك المعاهدة الأولى مع النَّقد. شُكرًا للأسئلة التِي تقف حدًّا بين جهلنا بالشيء وعِلمنا به. بإمكاني أن أقول الآن، أن ما أربكني في المـاضي ما زال يربكني اليوم. عقدة النَّقد بدأت مُربكة، وهذا الإرباك يلازمني في كل كتابة أهمُّ بها. لا ينبغي لك أن تغادرَ القلق الذي يدفعك لإتمام غاية.
صباح اليوم التالي، سألتنَا المعلِّمة نصوص التكليف. أعدنا أوراق التكليف للمُعلمة، ثمَّ قرأتْهَا أثناء الحصَّة. أكملت المعلمة الدرسَ، ثم توقَّفت منتصف الشرح وقالت: "عُهود، أريد أن أحادثك بعد الحصة". أجبتُ المعلمة: "إن شاء الله". أمسكتُ ورقةً وكتبتُ بعض المفردات العشوائيَّة كي أتنصَّل من نظرات الطالبات المُستفسرة. وفي ذلك الوقت، غمرتني بعض التساؤلات لتأويل مطلب المُعلَّمة.
دقَّ الجرس المُزعج للبَعض والمُفرح للبَعض الآخر. تبعتُ المعلمة أتبين بُغيتها. نظرت إليَّ بابتسامةٍ مُضمرة، فاستجوبتنِي: "أجيبينِي بصدق يا عهود، من كتبَ هذا النَّص؟". ارتخى وجهِي قليلًا بكَمَدٍ مُبطن. رددت: "أنا ..". أرْدَفَتْ المُعلمة: "هل يحضّر أحدهم في منزلك أطروحة في اللغة العربية؟"، رددت والاستفهام يبهم ردي: "لا .. أبلة، أنا من كتبها".
صمتت مُعلمتي قليلًا: "أتمنى لكِ كل خير تلميذتِي، لا تتوقّفي واهديني نسخةً من كتابكِ الأول". غادرت المعلمة نحو غرفة المُعلمات وأنا أتابع سيرها مأخوذةً بكلامها الأخِير وأخفي ابتسامةً أتذكر بها سؤالِي لوالدتي بعدَما أنهيت كتابة التعقيب.
كتبتُ النقدَ وأنا أعتلقهُ دون فهم واضحٍ لسبب هذا الاعتلاق. بدأتُهُ بحُبٍ وأكملتُ عَلاقتي بهِ على نحوٍ مماثل. ما لا أجدُ إجابةً -تقنعنِي قبل إقناع الآخر- لهُ سؤالُ أحدهم: "لم تحبين النقد؟".


السابع والعشرون من كانون الثاني 2016
صُوْر

الاثنين، 18 يناير 2016

أوَّلُ لقاءٍ مع الكِتاب

أحبُّ في هذه المرَّة أن أستعيدَ هذهِ الذِكرى بوقوفٍ مُطوَّل، أطول من وقوف ذلكَ اليوم، كان السادس عشر من ديسمبر العام الفائت. وقفتُ وسط الصالة، تذكّرت ما لم أنسَهُ، أولُ يومٍ لامسَت فيهِ يدِاي كتابًا غير القرآن الكَريم.
في منزلنا القَديم غرفةٌ تضمُّ القديم من الأشياء والعديد من الحاجيات العَتيقة، تُسمَّى مثل هذه الغُرَف في عُرْفنَا "البَخَّار". لم ترضنِي كلمة "البخَّار" كثيرًا ذلك الحين، كنت أسميها "الغرفَةَ المَهجورة"!
اسمُها ليس بذات الأهمية التي يحملُها ذِكرُها، فبعضُ الأشياء تُحبُّ مُجرَّدةً لسببٍ واحدٍ أو أسباب أحيانًا.
لم أجرؤ يومًا دخول تلك الغرفة، ولقد أعطيتها اسمًا يمنعني من دخولها، "الغرفة المهجورة". نستطيع خلقَ ما يخيفنَا بسهولة حتَّى وإن كنا نجهل أسباب هذا التأويل. كبرتُ قليلًا ودخلت ربيعِي السابع. تفتَّح الفضولُ داخلِي وتلاشَى ذاكَ التوجُّس القديم من دخول الغرفة، فَدخلتُها تملأنِي البهيتَة.
كانت مليئة حتمًا وكنتُ قليلةً جدًا أمامها. خَطَوْتُ قليلًا فتوقَّفتُ أمامَ صندوق أخضَر كبير "مندوس". لم ألتفت باهتمام لبقية الأشياء المركونة بعشوائيَّة ، كانت نظرةً سريعة ثبتت في النهاية على الصندوق. أدركُ الآن بعض ما يعتلقنِي من طباع حينَ انتوأتُ فتح الصندوق دون علم أحدٍ ودون إذنٍ مُسبق.
شرعتُ أفتحه ببطءٍ لئلَّا يُسمع لهُ صَوتٌ. استنفرتُ من بيوت العنكبوت التِي كانت تؤطِّرُ قفلهُ ثم تجاهلتُها على غير عادَة. كان يعتلي الأشياء الموضوعة في الصندوق كِتابٌ أبيض متهالك. تناولتُهُ وأخذتُ أتأملهُ. حاولت نُطق العنوان بشكلٍ جيِّد، "مَختار الصَحاح". خرجتُ من الغرفة والصندوق مفتوح وتركتُ خلفي الباب مفتوحًا أيضًا.
ذهبتُ أبحث عن أمِّي لأريها ما وجدت، وكنتُ قلقَةً بعض الشيء خشيةَ أن تعاقبني على ما فعلت. أريتُها الكِتَاب، وأخبرتُها أنني وجدتهُ في "البخَّار"؛ كي لا أدع مجالًا للتساؤلات تبينًا عن الأمر. بعد أن قَرَأت أمِّي عنوان الكِتاب، وأخبرتنِي بأنَّهُ مُعجمٌ عربي قديم، انتابنِي الفضُول لأقرأَ ما بداخلهِ وإن استعسرَ عليَّ فهمُ فحواه. عاندتُ صغري وفجاجة عقلي ولججتُ كي أقرأهُ.
أعلمتنِي والدتِي أنَّ ما بيدِي ليس مُلكِي، إذ يتحتَّم علي أن أعيدَهُ حيث وجدتهُ. استنكرتُ الأمر وبان اعتراضِي على الأمر. قلتُ في نفسي، الآن أصبحَ مُلكِي، وسيبلى إن أعدتهُ إلى ذلك "المندوس" المُهترئ فَالأخلقُ أن أحتفظَ بهِ.
لم تظن أمِّي أنني سأحتفظ بهِ بعد تلكَ المحادثَة. فتحتهُ أقرأُ بعضًا منه، كانت قراءات لا تنم عن وعيٍ عميقٍ بتلك الكلمات، لكنني كنت أحب ما أقومُ بهِ خلوةً، كنت أحاول استدلال المعانِي رغم تعسّر الأمر. أحببتُ مُختار الصحَّاح، صديقي الأول.
منذ تلكَ اللحظة حتَّى اليوم، مضى 13 عامًا وكِتابي الذي تملَّكتهُ دون إذن صاحبهِ يقبعُ مكتبتي آمنًا. إن هذَا الكِتاب أولُ لقاءٍ مع الكُتُب وأولُ عهدٍ مع هاجس اللغةِ.

السابع عشر من كانون الثاني 2016
صُوْر