الجمعة، 14 أكتوبر 2016

نيَّة

اتركْ أي شيءٍ جانبًا حين تزورك نية الكتابة. النيَّة وحدها تحتاج اهتمامًا، وسعةً للنظرِ إليها بعينٍ واسعة الحَدَقة. الكِتابةُ لا تحتاجُ أقلَّ مما تحتاجهُ النيَّةُ لها؛ فالأولَى تشحذُ للثانيةِ تطلُّبًا أكبَر!

الأمْرُ أشبَهُ بما يحدثُ أثناء القراءة. أقرأُ بنيَّةِ القراءة قبل أن أقْرَأ، ثم أشرعُ أقرَأْ. النيَّة هي ما يتدخَّل في تحديد مساراتٍ محسومة سلفًا حتى وإن بدَت مختلفةً عن مسارها الآخر! يقودُ هذا إلى مساراتٍ أكثر تعقيدًا من تعقيد ثباتِ النيَّة وتغيُّرها. قد أقرأُ كتابًا نقديًا وأقفُ في إحدى صفحاتهِ عند بيتٍ شعريٍّ لابن الفارض: "يا صاحِبي، هذا العقيقُ، فقِفْ بهِ، متوالهاً إنْ كنتَ لستَ بوالهِ"، فأتركُ الكتابَ جانبًا وأذهبُ لمحركِ البحث راغبةً في قراءةِ القصيدةِ كاملةً، وأنسى الكتاب خلفي ومعه كوب شرابٍ ساخن ليبردَ وتبردُ نيَّةُ العودة لقراءتِهِ لأنَّ النيَّة شاءَت أن تكون للآخَر فتركت الأول. يعودُ هذا الموقف بي إلى موقفٍ سابق، حينَ كنت مغمورةً أتأملُ جمال لوحة "ليلة نجوميَّة" لفَان جُوْخ للمرَّةِ الثالثة، المرَّة الثالثة كانت مختلفة؛ أسرعتُ تحريكَ حَدَقتيَّ بين إضاءات اللوحة الصفراءِ ثمَّ الزُّرقة المَرميَّة كَسجَّادٍ فوق مَرمَرٍ أبيض. أتوقفُ لحظتئذٍ، فتنزلُ حَدَقتيَّ عن إطار اللوحةِ فلا تثبتانِ على سوادٍ ولا بياضٍ لأتذكَّرَ لوحتهُ الأخرى، "عبَّاد الشمس". أذهب مرةً أخرى لأبحث عن اللوحة فأتأكَّد من عامها الذي حيَّرنِي في حفظهِ، 1889 أم 1899، فأتبيَّنُ فيما بعد أنَّها وليدة سنة 1988 ميلادية. فيبدو لي بعدئذٍ، أنَّ النيَّة تتمحورُ حسبَ بدءِ الشيءِ وتوسطهِ لتقرّ على شكلٍ أوحد في النهاية إن لم تظهر مرة أخرى في ذات السياق.



الرابع عشر من تشرين الأول 2016
الخُوْض