الخميس، 28 يوليو 2016

شَجَرَةٌ (وصيَّة)

جبلَّةُ الإنسان أن يكبرَ ويفهمَ إنسانه شيئًا فشيئًا مع تزاوج الأيام التي تُنجبُ اللحظات والمواقف والإنسان أيضًا. فيتعلَّم هذا الإنسان منها ما يسهّل عليه أمر عيشهِ، وبقائهِ. مع اختلاف الظروف، تختلفُ معطيات التعلّم الإنساني؛ منَّا من يُعطى عيشَهُ لقمةً لقمةً على مهل ومنَّا من يتجرَّع مطبات الحياةِ من منتصف بلعومه حتى أخمص قدميهِ بسرعةٍ تُنسيه نزعته الكونية حتَّى يقفَ أمام الأحداث وكل ما سيمر الآن أو لاحقًا صامتًا مطبقًا شفتيه يزمّهما بمرارة محاولًا تخفيف وطأة الكلّ.
وهذا التفاوت سُنَّة كونية، كتعاقبِ الليل والنَّهار، واختلاف الألوان، وتعدد الطبقات. هذا الإنسان ليس مقطوعًا من شجرة كما يقولون، لكنهم يزعمون حتمًا. كُلُ واحدٍ منا مقطوعٌ من شجرة وإن شجَبَ الإنسان صدق هذا المَقول. يحسبُ الكثيرُ أن الانتماء والجماعة في أن تُحاط بأبٍ وأم وأخٍ وأخت وعم وخالٍ وبقية فروع الشَّجرة التي إليها تنتمي ويغيبُ عنهم كثيرٌ. لكِن هذا التعبير ساذجٌ ويستبعدُ ما هو أهم من كل ما سبَق وهو نوع العلاقة القائمة في ما بين الأفرع فقط. هل تُقرُّ بأنكَ فرعٌ في هذهِ الشجرة التي قد تتجاهل حقّك في أن تكون شجرةً أخرى؟ وتحاول أن تطبعَ عليك أوراقها حتى وإن حركتها رياح الصباح الخفيفة، وترسم لكَ مسارًا حسب ما ترتئيهِ غصونها المتدلية التي تأخذُ طريقها إليك فتعوقُ نموك أو توجّهه باتجاه محدد سلفًا حسب ما ساقَ. وما إن بزغ ضوءٌ عليكَ أخفتهُ بظلٍ وارفٍ بحجَّةِ حمايتكَ والحرص على نُضج عودك الذي لم يصطلب بعد. كل ما سبقَ محض احتمالات قد لا تجد مكانها من الواقع، لكنها قد تجده إن شئت أو هِيَ شاءت.

إن ما تفعله الشجرة أحيانًا يقتل فرعها وإن على الفرع أن يطالبَ بحقه كي يكون شجرة. دكتاتوريو اليوم لن يفهموا هذه الوصيَّة وإن فهموها فسيحنقون على كاتبها أيما حُنق. ذلك الإنسان الذي لتوّهِ بدأ يتعلمُ إنسانهُ لا يريد شيئًا أكثر من أن يُمنحَ حقه في أطوار التعلم هذا. بمُجَرَّد أن يُسْلَبَ هذا الحقّ يتيهُ فاقدًا كمن أُخذَ من دماغه عرقٌ فبات يصيحُ ألم الطَّعن، وبدون صوتٍ يُسمَع غير همهمات تتقطّع أحيانًا بين شفتيهِ. هل تساءل هذا الفرع ما إن كان الذي يجري داخله دمًا أم ماءً؟ إن كان دمًا فالأحقُّ أن لا يقرّ بفَرْعِيَّتهِ! وإن كان ماءً فعليهِ أن يتأكّدَ أنهُ فرعٌ لا محالة.

ومع تجاوز الأيَّام مراحل تعلمِ الإنسان إنسانهُ سينضجُ هذا الفرع ليحسم ما هو. إن تنصَّل من الشجرَة، فهو يحدد بذلكَ، ما كنهه وما يجعلهُ مختلفًا عن الأفرع الأخرى على الشجرة وما السائل الذي يجري بداخله، في حال وجود سائلٍ في الأصل!

سيجفُّ هذا الفرع من رطوبة تكوينه ليصبح عودًا رجلًا! وفي تلك الحين، ستغار الأفرع الصغيرة وتحسده على مآله الأفرع الكبيرة التي زاد جفافها مع الوقت. سيزدهي بنفسه قليلًا وهذهِ جبلَّة تستفحلُ بالإنسان متى شاء. لا يدري ذلك الفرع أن تصريحه استقلاله سيثير له المتاعب، في الوقت ذاته، سيُثير نَشْوته بأن أحرزَ تفوقًا في مرحلةٍ من مراحل تعلم إنسانهِ.
لن يتوانى الفرع، في الوقت الذي يتعلم فيه الإنسانُ إنسانه، أن يلقي بنفسه من الشجرةِ إلى الأعلى، عائدًا إلى الأرض التي سيقرُّ فيما بعد بانتمائهِ لها وأنها اعتلاقٌ أبديٌ له، وسيوصِي الأرض أن تهدّ ما سينبت عليه من أفرعٍ بعد أن يصبح شجرة ليكون انتماء الإنسان فيما بعد لأرضهِ لا لشجرةٍ نبتت عليها ذات قدر.


العاشر من تمُّوز 2016
صُوْر