أحبُّ في هذه
المرَّة أن أستعيدَ هذهِ الذِكرى بوقوفٍ مُطوَّل، أطول من وقوف ذلكَ اليوم، كان
السادس عشر من ديسمبر العام الفائت. وقفتُ وسط الصالة، تذكّرت ما لم أنسَهُ، أولُ
يومٍ لامسَت فيهِ يدِاي كتابًا غير القرآن الكَريم.
في منزلنا القَديم
غرفةٌ تضمُّ القديم من الأشياء والعديد من الحاجيات العَتيقة، تُسمَّى مثل هذه
الغُرَف في عُرْفنَا "البَخَّار". لم ترضنِي كلمة "البخَّار"
كثيرًا ذلك الحين، كنت أسميها "الغرفَةَ المَهجورة"!
اسمُها ليس بذات الأهمية التي يحملُها
ذِكرُها، فبعضُ الأشياء تُحبُّ مُجرَّدةً لسببٍ واحدٍ أو أسباب أحيانًا.
لم أجرؤ يومًا دخول تلك الغرفة، ولقد أعطيتها
اسمًا يمنعني من دخولها، "الغرفة المهجورة". نستطيع خلقَ ما يخيفنَا
بسهولة حتَّى وإن كنا نجهل أسباب هذا التأويل. كبرتُ قليلًا ودخلت ربيعِي السابع.
تفتَّح الفضولُ داخلِي وتلاشَى ذاكَ التوجُّس القديم من دخول الغرفة، فَدخلتُها
تملأنِي البهيتَة.
كانت مليئة حتمًا وكنتُ قليلةً جدًا أمامها.
خَطَوْتُ قليلًا فتوقَّفتُ أمامَ صندوق أخضَر كبير "مندوس". لم ألتفت
باهتمام لبقية الأشياء المركونة بعشوائيَّة ، كانت نظرةً سريعة ثبتت في النهاية
على الصندوق. أدركُ الآن بعض ما يعتلقنِي من طباع حينَ انتوأتُ فتح الصندوق دون
علم أحدٍ ودون إذنٍ مُسبق.
شرعتُ أفتحه ببطءٍ لئلَّا يُسمع لهُ صَوتٌ.
استنفرتُ من بيوت العنكبوت التِي كانت تؤطِّرُ قفلهُ ثم تجاهلتُها على غير عادَة.
كان يعتلي الأشياء الموضوعة في الصندوق كِتابٌ أبيض متهالك. تناولتُهُ وأخذتُ
أتأملهُ. حاولت نُطق العنوان بشكلٍ جيِّد، "مَختار الصَحاح". خرجتُ من
الغرفة والصندوق مفتوح وتركتُ خلفي الباب مفتوحًا أيضًا.
ذهبتُ أبحث عن أمِّي لأريها ما وجدت، وكنتُ
قلقَةً بعض الشيء خشيةَ أن تعاقبني على ما فعلت. أريتُها الكِتَاب، وأخبرتُها أنني
وجدتهُ في "البخَّار"؛ كي لا أدع مجالًا للتساؤلات تبينًا عن الأمر. بعد
أن قَرَأت أمِّي عنوان الكِتاب، وأخبرتنِي بأنَّهُ مُعجمٌ عربي قديم، انتابنِي
الفضُول لأقرأَ ما بداخلهِ وإن استعسرَ عليَّ فهمُ فحواه. عاندتُ صغري وفجاجة عقلي
ولججتُ كي أقرأهُ.
أعلمتنِي والدتِي أنَّ ما بيدِي ليس مُلكِي،
إذ يتحتَّم علي أن أعيدَهُ حيث وجدتهُ. استنكرتُ الأمر وبان اعتراضِي على الأمر.
قلتُ في نفسي، الآن أصبحَ مُلكِي، وسيبلى إن أعدتهُ إلى ذلك "المندوس"
المُهترئ فَالأخلقُ أن أحتفظَ بهِ.
لم تظن أمِّي أنني سأحتفظ بهِ بعد تلكَ
المحادثَة. فتحتهُ أقرأُ بعضًا منه، كانت قراءات لا تنم عن وعيٍ عميقٍ بتلك
الكلمات، لكنني كنت أحب ما أقومُ بهِ خلوةً، كنت أحاول استدلال المعانِي رغم تعسّر
الأمر. أحببتُ مُختار الصحَّاح، صديقي الأول.
منذ تلكَ اللحظة حتَّى اليوم، مضى 13 عامًا
وكِتابي الذي تملَّكتهُ دون إذن صاحبهِ يقبعُ مكتبتي آمنًا. إن هذَا الكِتاب أولُ
لقاءٍ مع الكُتُب وأولُ عهدٍ مع هاجس اللغةِ.
السابع عشر من كانون
الثاني 2016
صُوْر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق