الأحد، 19 يونيو 2016

مَخَا: أول نصٍّ أدبيٍّ

ليس سهلًا أن تلفظ الذاكرة ما اعتلقها عنوة منذ زمن. عنوة؟ أعني برغبة مني أو دون رغبة. لم يُكتب لي أن أعيش مدةً أطول في حوش بيتنا القديم، أحد بيوت حارتنا الذي بُني على طراز قديم، لكن حظيت بالفترة الأطول بين إخوتي على الأكثر. الحارة القديمة التي ما زلت أصرح بانتمائي الدائم لها إن سألني سائلٌ، "من أيِّ بقعة أنتِ؟". نولعُ بالشيء أكثر ما إن يصبح قديمًا. مَخَا، أحب أن أنطق اسمها مُطْلِقَة فَايَ لثانية بعد فتح خائها. حارة البيوت الطينية القديمة والسكك الضيقة التي تمتد على جانبيها جدران نقعتها ملوحة أرضها ليظهر ما خفي من الحجر والطين وأيبستها شدة حرارة الشمس التي تشبه إلى حد كبير حرارة أهلها. جيرانُها أهلٌ قلوبهم أقرب إلى بعض من مسافة بيوتهم المتراصّة إلا قليلا. أشتاق لسُكْنتها في الحارة الجديدة، ولم أستطع أن أجردها من صفة الجِدَّة رغم مضي ما يزيد على 7 سنوات منذ أن أقمنا هنا وسط بيوتها. لا ينفصلُ ذكر مخا عن ذكر خور البطح، على وجه الخصوص عصرُهُ الأزرق المائل إلى الأبيض الذي قلما يخلو من أصوات نوارس الخور. أكتبُ هذا وأتذكر لحظاتٍ انقضت حين كنت أرافق والدي وأجلس إلى جانبه مع رفاقه أمام الخور أحملقُ في البعيدِ لا أعلم أين أنظر تمامًا. أذكر كيف كان يمتعني النظر إلى البحر الذي كلما أبعدت النظر في امتداده أوغل في زُرقته وانتهى. أدمنت النظر في عبّارات* الخور وقواربه وناسه ونوارسه، فغدَا بعد ذلك ذاكرةً لا بُدّ أن تُسجَّل.

حثثتُ الخطى متجهة إلى جهازي لأكتب بعد 3 سنوات عن مخا وخورها. كتبت فيها بقلب ذاكرٍ لميثاق الحُب الأقدم ما امّحى. وفي منتصفِ الكتابة تلك، أغمضت عيني أستذكرُ أيامها وحُلْوها فأبتسم وأكمل الكتابة لا أود أن أنتهي. من يحب شيئًا لذاته لا يرضى أن يرى له ندًا. وهكذا أحببت مَخَا أيضًا. وأسائلُ نفسي هل يستطيع أحد أن يغفل عن حب أرضهِ؟ الانتماء مسألة مقضية كما أحسب، هناك رابطة أخرى لا أستطيع توصيفها في الواقع تصفُ اعتلاقي مَخَا. البحرُ بحرٌ واحدٌ في نظر كثيرٍ من البشر، لكن رأيتُ بحر مدينتي الذي يطلُّ على يابسهَا، بادِئًا من هذا الخور مختلفًا اختلافًا يجعلهُ جميلًا في ناظريّ بل الأجمل. السكك والشوارع في كل مكان تتخذُ أشكالا متقاربة، هكذا يقول العامّة، وأجدُ قولهم خيبةً حين أتحدثُ عن حارتي القديمة، مدينتي الأجمل العائمة السمراء.
والآن بعد سنواتٍ من كتابة أول نصٍّ أدبيٍّ، أكتبُ ولا ينقطع عن بالي أثناء لحظات كتابتي هذا النَّص اسم ناصر البلال المخينِّي الذي أحبَّ صُوْرَ وشغفتهُ حُبًّا. لا أغار في حُب صُوْر غيرةً كغيرتي من حُبِّ الفينيقيّ الأخير رحمهُ الله. أذكرُ بركة هذا الحبِّ وفضله عن كثيرٍ من الحُب؛ فقد جعلني أتكلم بحديثٍ لم أكن أعلمه إلا نَزْرًا، وعلَّمني أن أكتبَ في الأوراق، وأدخلني صومعة الآداب.

التاسع عشر من حزيران 2016
صُوْر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق