السبت، 18 يونيو 2016

ليلُ القراءَةِ

انتهى هذا الليل حالُه حال أي ليل آخر من بقية الأيَّام قراءةً. يدخلُ عليَّ الليل بقدمين ناعمتين خفيفٌ طرقهما يكاد لا يُسمَع، فَيأخذُ طريقهُ آمنًا سالكًا رفوف مكتبتي وأسفلَ الطاولة ليرسم تحتها ظلًّا ويمين ستارةِ النافذةِ وأعلى رأسي! أحبُّ الليلَ شديد السواد، الذي يأبى إلا أن يكون الأحلك على وجهِ البسيطة ليلًا، يأخذُ من كل سوادٍ في الأرضِ سوادًا كيلا يقارعه أحدٌ في الحلكةِ، وشأنُ الليلِ هذا شأنُ أيِّ طِيني يمشي على طينهِ ويتسنَّمُ فيه وعليه وبهِ.

أعودُ لغرفتي وليلِها. كل شيءٍ هاجعٌ إلا من الليل، وطقطقةِ مفاتيح الجهاز وأنا. على يميني الشاي الذي يبدو أنه برد ولم يعد يحمل من صفة الشاي طعمًا! لا تعرفُ عيناي الثبات، أُقلِّبُ بصري يمنةً ويُسرةً فيقع على نظارتي الطبية ذات نصف العقد وأنتوي أن أغيرها بأخرى ولا أود هجرتها هيَ أيضًا. وتستلقي على نهاية حواف الطاولة كتبٌ يستنفرُ بعضها الآخر، كتابٌ في الأدب الإنجليزي وآخر من الأدب العماني القديم وبينهما كتابٌ في الفقه كُتِبَ بخط اليد، في الواقع لا تختلفُ الكتب عن حال كثيرٍ من البَشر إلى حدٍّ ما، فحُبُّها قد يمتاح من صفةٍ بشرية كما قد يمتاح حُبُّ الآخر من أصلٍ كُتُبِيٍّ! ولا نعلم مكمن الصواب لكثرة الاحتمالات التي تحيط بنَا.

لا يزال كتاب البؤساء يستريح على طاولتي منذ أن أخذته أختي الصغيرة لتقرأه بعد استجداءٍ خفيف للقراءة قبل أسبوعين. ولا تزال عبارتها بعد أن أخذت في الرواية نصفها ترسم نصف ابتسامة على وجهي وأتذكر مَقولها: "عهود تراني أني كوزيت، اعتبريني شخصية كوزيت".

الكثير من الصناديق وردية الجلدِ تركن بعشوائية فوق طاولتي ولا أعرف إليها سبيلًا إلا بعد أشهرٍ، رغم رغبتي في فتحها أحيانًا وقت المطالعة أو الكتابة. الكتابة والقراءة تسلبانكَ الاهتمام لأي مُزهرٍ أو كائنٍ آخر يحول بينك وبينه مسافة النظر. هذا الذي تفعله لذة الانغماس في الشيء باعثٌ لِحُب الشيء. وهذا الليل رغم سواده أضاء كي أنتبه لما أهملتُ على طاولتي. الدفتر الأزرق المنسي وكتاب ينحشر وسطه قلمٌ تحمل انكفاء الأوراق عليه لأشهرٍ وكأسُ ماء فارغ.

أقفُ لأعيدَ كل شيء إلى حيث ينبغي وأرجع الكتب إلى أخواتها وأنظرُ بأسى مرةً أخرى لكوب الشاي البارد جدًا فأزمٌّ شفتي وأرفع يدي على وجهي وأنهي آخر كلمة في الملف على مَضضٍ ليبدأ ليلُ القراءة.

الثامن عشر من حزيران 2016
صُوْر

هناك تعليقان (2):