الخميس، 28 يناير 2016

نَقْد

مَا أدخلني فوهةَ النقد ولم يخرجنِي منها سُؤالٌ. سؤالٌ جرَّني لمأزقٍ أحببتُ التخبَّطَ في سبيل الخلاص منه. نحنُ لا ننشد الخلاص لإنهَـاء تأزمٍ ما، لكن الخلاص الذي نتحرَّاهُ يُربّت على ذواتنا العَطشى كِي تُروى بُرَهًا مخافةَ أن تموت ضحيَّة النَهمة.
لم يعجبني مكاني في الفصل وقتئذٍ، كان بجانب النافذة، الحسنة الوحيدة التي خفَّفَت طيف الضجر الذي كان يتسللني وقت الحصّة. كنتُ في بَدأة المرحلة الثانوية (الصف العاشر)، كانت إحدى المراحل الدراسيَّة المحببة إلي. لم أكن أدري ما أريد، ما كنتُ أعيه تمامًا هو رغبتي في إتمام دراستي والمواظبة على تحضير دروسي. وأنجزتُ الأمرَ برضًى مع رؤية نسبتي نهاية العام 98%.
في إحدى حصص اللغة العربية، أعطتنا المعلمة مقدمة بسيطة عن تاريخ النقد الأدبي ثم وزّعت نصًّا على المجموعات بافتراضهِ عملًا جماعيًا. لم تكترث بقية المجموعة للنَّص والتكليف، فَأخذتُ النص وقرأتهُ ثم استأذنتُ زميلاتي كي أقومُ بالفرض حين أعود للمنزل. لم يعترضن، بل أردفت إحداهن: "أحسَن، مَـلْنـى بارض في شغل النقد والتحليل!".
ظهيرة ذلك اليوم، كنتُ أحتسي الشاي الأحمَر كعادتي وأقرأ النَّص بتمعن أكثَر ثم شَرَعت أكتبُ تعقيبًا عليهِ، كان علينا أن نقرأ النص ثم ننقدهُ. أنهيتُ تعليقِي على النَّص في حدود صَفحة، وتستهلُّ الورقَة كلمتان "قراءة نقدية: ... "! وحينَ أتذكَّر تلكَ الورقة، أبتسمُ لذلكَ الصِبا الأدبي. يبدأُ الشغف بالشيء كبيرًا ليمتاح ديمومتهُ من صفته الأولى.
بعدَ إنهائي كتابة سطورٍ حول نص التكليف، سألتُ والدتي سؤالًا أدهشها قليلًا، لكنها ابتَسمَت فيما بعد. لا يهمّ الآن ذلك السؤال بقدر أهمية الأثر الذي تركتهُ فيني إجابتهُ. وكانت تلك المعاهدة الأولى مع النَّقد. شُكرًا للأسئلة التِي تقف حدًّا بين جهلنا بالشيء وعِلمنا به. بإمكاني أن أقول الآن، أن ما أربكني في المـاضي ما زال يربكني اليوم. عقدة النَّقد بدأت مُربكة، وهذا الإرباك يلازمني في كل كتابة أهمُّ بها. لا ينبغي لك أن تغادرَ القلق الذي يدفعك لإتمام غاية.
صباح اليوم التالي، سألتنَا المعلِّمة نصوص التكليف. أعدنا أوراق التكليف للمُعلمة، ثمَّ قرأتْهَا أثناء الحصَّة. أكملت المعلمة الدرسَ، ثم توقَّفت منتصف الشرح وقالت: "عُهود، أريد أن أحادثك بعد الحصة". أجبتُ المعلمة: "إن شاء الله". أمسكتُ ورقةً وكتبتُ بعض المفردات العشوائيَّة كي أتنصَّل من نظرات الطالبات المُستفسرة. وفي ذلك الوقت، غمرتني بعض التساؤلات لتأويل مطلب المُعلَّمة.
دقَّ الجرس المُزعج للبَعض والمُفرح للبَعض الآخر. تبعتُ المعلمة أتبين بُغيتها. نظرت إليَّ بابتسامةٍ مُضمرة، فاستجوبتنِي: "أجيبينِي بصدق يا عهود، من كتبَ هذا النَّص؟". ارتخى وجهِي قليلًا بكَمَدٍ مُبطن. رددت: "أنا ..". أرْدَفَتْ المُعلمة: "هل يحضّر أحدهم في منزلك أطروحة في اللغة العربية؟"، رددت والاستفهام يبهم ردي: "لا .. أبلة، أنا من كتبها".
صمتت مُعلمتي قليلًا: "أتمنى لكِ كل خير تلميذتِي، لا تتوقّفي واهديني نسخةً من كتابكِ الأول". غادرت المعلمة نحو غرفة المُعلمات وأنا أتابع سيرها مأخوذةً بكلامها الأخِير وأخفي ابتسامةً أتذكر بها سؤالِي لوالدتي بعدَما أنهيت كتابة التعقيب.
كتبتُ النقدَ وأنا أعتلقهُ دون فهم واضحٍ لسبب هذا الاعتلاق. بدأتُهُ بحُبٍ وأكملتُ عَلاقتي بهِ على نحوٍ مماثل. ما لا أجدُ إجابةً -تقنعنِي قبل إقناع الآخر- لهُ سؤالُ أحدهم: "لم تحبين النقد؟".


السابع والعشرون من كانون الثاني 2016
صُوْر

الاثنين، 18 يناير 2016

أوَّلُ لقاءٍ مع الكِتاب

أحبُّ في هذه المرَّة أن أستعيدَ هذهِ الذِكرى بوقوفٍ مُطوَّل، أطول من وقوف ذلكَ اليوم، كان السادس عشر من ديسمبر العام الفائت. وقفتُ وسط الصالة، تذكّرت ما لم أنسَهُ، أولُ يومٍ لامسَت فيهِ يدِاي كتابًا غير القرآن الكَريم.
في منزلنا القَديم غرفةٌ تضمُّ القديم من الأشياء والعديد من الحاجيات العَتيقة، تُسمَّى مثل هذه الغُرَف في عُرْفنَا "البَخَّار". لم ترضنِي كلمة "البخَّار" كثيرًا ذلك الحين، كنت أسميها "الغرفَةَ المَهجورة"!
اسمُها ليس بذات الأهمية التي يحملُها ذِكرُها، فبعضُ الأشياء تُحبُّ مُجرَّدةً لسببٍ واحدٍ أو أسباب أحيانًا.
لم أجرؤ يومًا دخول تلك الغرفة، ولقد أعطيتها اسمًا يمنعني من دخولها، "الغرفة المهجورة". نستطيع خلقَ ما يخيفنَا بسهولة حتَّى وإن كنا نجهل أسباب هذا التأويل. كبرتُ قليلًا ودخلت ربيعِي السابع. تفتَّح الفضولُ داخلِي وتلاشَى ذاكَ التوجُّس القديم من دخول الغرفة، فَدخلتُها تملأنِي البهيتَة.
كانت مليئة حتمًا وكنتُ قليلةً جدًا أمامها. خَطَوْتُ قليلًا فتوقَّفتُ أمامَ صندوق أخضَر كبير "مندوس". لم ألتفت باهتمام لبقية الأشياء المركونة بعشوائيَّة ، كانت نظرةً سريعة ثبتت في النهاية على الصندوق. أدركُ الآن بعض ما يعتلقنِي من طباع حينَ انتوأتُ فتح الصندوق دون علم أحدٍ ودون إذنٍ مُسبق.
شرعتُ أفتحه ببطءٍ لئلَّا يُسمع لهُ صَوتٌ. استنفرتُ من بيوت العنكبوت التِي كانت تؤطِّرُ قفلهُ ثم تجاهلتُها على غير عادَة. كان يعتلي الأشياء الموضوعة في الصندوق كِتابٌ أبيض متهالك. تناولتُهُ وأخذتُ أتأملهُ. حاولت نُطق العنوان بشكلٍ جيِّد، "مَختار الصَحاح". خرجتُ من الغرفة والصندوق مفتوح وتركتُ خلفي الباب مفتوحًا أيضًا.
ذهبتُ أبحث عن أمِّي لأريها ما وجدت، وكنتُ قلقَةً بعض الشيء خشيةَ أن تعاقبني على ما فعلت. أريتُها الكِتَاب، وأخبرتُها أنني وجدتهُ في "البخَّار"؛ كي لا أدع مجالًا للتساؤلات تبينًا عن الأمر. بعد أن قَرَأت أمِّي عنوان الكِتاب، وأخبرتنِي بأنَّهُ مُعجمٌ عربي قديم، انتابنِي الفضُول لأقرأَ ما بداخلهِ وإن استعسرَ عليَّ فهمُ فحواه. عاندتُ صغري وفجاجة عقلي ولججتُ كي أقرأهُ.
أعلمتنِي والدتِي أنَّ ما بيدِي ليس مُلكِي، إذ يتحتَّم علي أن أعيدَهُ حيث وجدتهُ. استنكرتُ الأمر وبان اعتراضِي على الأمر. قلتُ في نفسي، الآن أصبحَ مُلكِي، وسيبلى إن أعدتهُ إلى ذلك "المندوس" المُهترئ فَالأخلقُ أن أحتفظَ بهِ.
لم تظن أمِّي أنني سأحتفظ بهِ بعد تلكَ المحادثَة. فتحتهُ أقرأُ بعضًا منه، كانت قراءات لا تنم عن وعيٍ عميقٍ بتلك الكلمات، لكنني كنت أحب ما أقومُ بهِ خلوةً، كنت أحاول استدلال المعانِي رغم تعسّر الأمر. أحببتُ مُختار الصحَّاح، صديقي الأول.
منذ تلكَ اللحظة حتَّى اليوم، مضى 13 عامًا وكِتابي الذي تملَّكتهُ دون إذن صاحبهِ يقبعُ مكتبتي آمنًا. إن هذَا الكِتاب أولُ لقاءٍ مع الكُتُب وأولُ عهدٍ مع هاجس اللغةِ.

السابع عشر من كانون الثاني 2016
صُوْر

الثلاثاء، 12 يناير 2016

العِشْرُون

لا أعلم لماذَا أحببت دخول هذا العام! 2016 بالنسبةِ لِي أمرٌ مُرتقبٌ لسببٍ لا أعرف مَأتاهُ الحقيقي، كل ما يمكنني قولهُ في هذه الساعة أنّني سأودِّعُ أعوامًا كانت أعمدةً أسندت عليها ظهري ومكتبةً اخترتُ منها ما ينفعني وما لا يضيف شيئًا لباقي عمري أيضًا، وكانت توطئةً لعامي العشرين!
إنهُ العشرون الذي لم يطل انتظاره، وأتَى هادئًا ولم أتوقّع لـمجيئه صفةً في الواقع، لكنه أتى حاملًا معه الكثير مما تعوَّجَ في الماضِي، كأنهُ يعتاض شعور توديع الأعوام التسعة عشر بهديَّة مؤجَّلة وأولها ما أقوم بهِ الآن في أولى ساعاتِ هذا العام، الكِتابة.
عدتُ للكِتابة التِي كنت أزاولها قبل أعوامٍ حبًا واهتمامًا بعدما أصبَحت مهمَّةً مؤقَّتة في الأعوام الأخِيرة. عدتُ أكتبُ كما أحب وأهوَى مع بدأةِ هذا العام، فكّرت أنَّ قرار العودة من جديد سيكون أمرًا جميلًا لأشياءٍ أضعها تصورًا. أجمع كل ما ينزوي في الذاكرةِ وما تلتقطهُ العين، أكتفِي بالتدوين الذي سأعود لهُ يومًا إن طفَت هذهِ الروح فوق الماء أو أقلّ قليلًا ..
عدتُ لشيءٍ أودعتُ إيَّاهُ، لكنني تركتهُ ظنًّا مني أنني سأنغمسُ في اهتماماتٍ أخرى قد تكون أهمَّ وأقرب من أمانةٍ لن أعبأ بها مع الأيَّام. مضتِ الأيَّام والفصول والأعوام ولم أتأكَّد من نظافةِ ريشتي. لقد نسيتُ مكانها في واقعِ الأمر، ولم أهتم في البحثِ عنها أو إمساكها من جديدٍ لأرسم! تَعَوَّجت مع قديم الاهتمامَات. لكنني أمسكتُها بعودةِ هذا العام، وكنت أنظفها البارحة وأرتّبها في مكانها، لقد عدتُ أرسم. عدتُ لأفهمَ نفسِي مرةً أُخرى. نحنُ البشر، نفهمُ الكثَير ويصعب علينا فهم ذواتنا.
لن أطيل قائمة (عِوَدَةُ العَام الجَديد)، سأحاولُ إطَالة العام ما استطَعت لأنال نفسي على أقلِّ تَقدير. آمنتُ أنَّ لكلِّ تغيُّر سبب ما، ولكلِّ عودةٍ طارئ ما أيضًا. وإن لم يكن كذلك، فهناكَ ترتيبٌ مُسبق. أؤمنُ بأنَّ أعوام المرء مرآتُهُ التي تعكسُ جمالهُ الحقيقي في الحياة. الجمَال الذي يضمّ كل حسنَة من حسناتِ حياتهِ حينَ يُمنح إياها ويمنحُها لأيَّام حياتهِ ولنفسهِ في بعض الأحيان.

الثاني عشر من كانون الثاني 2016 
صُوْر